كتب ياسر عبد الرازق
صدر كتاب «في بيتنا نسر»… عندما تصبح التربية رحلة وعي لا معركة سيطرة للدكتور / محمد ابراهيم الباز ،
في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتزايد الضغوط داخل الأسرة، يطلّ كتاب «في بيتنا نسر» بوصفه خطابًا تربويًا مختلفًا، يخاطب الآباء والأمهات الذين يبحثون عن الفهم قبل إصدار الأحكام، وعن الاحتواء بدلًا من العقاب. لا يسعى الكتاب إلى تقديم حلول سحرية أو وصفات جاهزة، بل يدعو إلى تأمل أعمق في سلوكيات الأطفال، وفهمها باعتبارها رسائل تحتاج إلى قراءة واعية، لا ردود أفعال متعجلة.
ينطلق الكتاب من رؤية محورية مفادها أن الطفل ليس مشكلة يجب التخلص منها، وإنما رسالة تحتاج إلى من يصغي لها. فالسلوكيات المزعجة أو غير المفهومة ليست إلا لغة بديلة يلجأ إليها الطفل للتعبير عن احتياجات نفسية أو صراعات داخلية يعجز عن صياغتها بالكلمات. ومن هنا تأتي رمزية “النسر”؛ ذلك الكائن الذي قد يبدو حادًا أو مخيفًا من الخارج، لكنه يحمل في داخله طاقة هائلة على التحليق إذا وُجد الدعم والفهم الصحيح.
يتناول «في بيتنا نسر» عددًا من القضايا التربوية الشائعة داخل الأسرة العربية، مثل العناد، وفرط الحركة، والانطواء، ونوبات الغضب، والغيرة بين الإخوة، لكنه يعالجها من زاوية إنسانية واقعية، بعيدًا عن منطق الإدانة أو التصنيف السلبي. فالكتاب لا يرى هذه السلوكيات انحرافًا، بل استجابات طبيعية لظروف نفسية وتربوية معينة قد يمر بها الطفل.
ويتميّز الكتاب بأسلوبه السلس القريب من لغة الحياة اليومية، دون أن يفقد عمقه العلمي، حيث يخاطب الأب والأم بروح الشراكة لا الاتهام، ويعيد التأكيد على أن الأسرة هي المحور الأساسي في بناء شخصية الطفل، قبل المدرسة أو المجتمع.
كما يسلّط الضوء على عدد من الممارسات التربوية الخاطئة الشائعة، مثل القسوة المفرطة، والمقارنة بين الأبناء، والإهمال العاطفي، والإفراط في العقاب، موضحًا آثارها بعيدة المدى على الصحة النفسية للطفل واستقراره الانفعالي.
ولا يتوقف الكتاب عند حدود التشخيص، بل يقدّم بدائل تربوية عملية تقوم على الإصغاء الواعي، والاحتواء النفسي، ووضع حدود تربوية آمنة، وتعزيز التواصل الإيجابي داخل الأسرة. ويؤكد أن التربية ليست ساحة صراع ننتصر فيها على الطفل، بل علاقة إنسانية ننجح فيها مع الطفل.
ويأتي هذا الطرح ثمرة خبرة ميدانية حقيقية لمؤلفه محمد الباز، أخصائي التخاطب والتربية الخاصة، الذي عمل لسنوات طويلة مع الأطفال وأسرهم، وتعامل عن قرب مع مشكلات النطق والسلوك والتواصل، وهو ما انعكس بوضوح على محتوى الكتاب، الذي يجمع بين العمق العلمي والواقعية العملية.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى «في بيتنا نسر» باعتباره مجرد كتاب في التربية، بل هو دعوة صادقة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع أبنائنا، وتذكير بأن داخل كل طفل طاقة كامنة وقدرة على التحليق، متى وجد من يفهمه، ويؤمن به، ويوفر له الأمان.
كتاب جدير بالقراءة لكل أب وأم، ولكل من يؤمن بأن بناء الإنسان الحقيقي يبدأ من داخل البيت.
كتاب «في بيتنا نسر»… عندما تصبح التربية رحلة وعي لا معركة سيطرة

